1:14 AM | Author: Al-Firjany

قليلة عدد مباريات الندية في مصر، خصوصا مع أهل القمة، ولكن في بعض الأحيان تلاقي الندية مندية. ولأن المباراة كانت مهمة وحماسية وفيها بعض الملامح التي تستحق التحليل كان لابد من الحديث عنها، حتى وإن كانت مفاجئة في أحداثها، وانفعالاتها، أبعد من الدهشة لفرحة الزمالك الطاغية، أو لطرد لاعب انفعالي. كانت مباراة بين فريقين قوة كل منهم تبدأ هجوميا، وتقل القوة كلما اتجهنا نحو الجنوب، وإن ساعد الحارسين على تخفيف غلة مرماهما. يبقى التحليل مهم لمجريات الاحداث لنعرف كيف فاز الزمالك، وكيف خسر الاسمنت


الأسمنت استغل في البداية ترهل حالة الدفاع الزمالكاوي، ووجود الثلاثي غير المتفاهم كريم وبشير ودخول غانم كعنصر غريب على التشكيل والمكان. قبل المباراة كان محتمل احراز هدف في الزمالك نتيجة للغيابات في الفريق، وتحول الاحتمال إلى الحتمية مع ضعف واضح في خط الزمالك الخلفي، ساعد عليه وجود ثغرة في الناحية اليمنى (محمد عبد الله). استغل الأسمنت ضعف العمق والأطراف في الزمالك مرة ولم يستغلها مرات، ودفع الثمن في استقبال رباعي من واحد من أقوى الخطوط الهجومية في الدوري.

استعمل كرول تكتيك تقليدي بوجود زكي وجعفر بميل قليل ناحية الأطراف، ولكن مع قلة التعاون ما بين الثنائي أو حتى في المساندة مع الطرفين (عبد الله أو حسن) تأخر تسجيل الزمالك كثيرا. عانى الزمالك من أزمته الأزلية في لعب كل لاعب بنفسه لنفسه، حتى مع بعض الضعف الواضح في خط الأسمنت بوجود المتوسط بكري أو شبيطة (كان خط وسط مهاجم في ناشئي الأهلي، ومع بعض الاصابات في خط أسمنت السويس الخلفي، فوجيء بازاحته كمساك). الاسمنت استعان بالكثافة العددية لقتل هجوم الزمالك الجامح، وساعده هجوم الزمالك كثيرا بكثرة الاحتفاظ بالكرة، وقلة تعاون حازم، وغيره، في التمويل.

كان لابد من التنشيط الهجومي، ونزل كرول ببديل بديل شيكابالا (جمال حمزة) وعلى ما يبدو إن الزمالك لم يجد بعد من يسد اللاعب الأسمر (المباراة شهدت تناوب تلات لاعبين على مركز واحد، بما يعني عدم وجود بديل للبديل). اعتمد كرول على ميل زكي وأحيانا حمزة قبل الطرد إلى الجانب الأيسر، مع معاونة ممتازة من أسامة حسن. الغريب إنه مع تعدد المحاولات الطرفية من الهجوم الزمالك استمرت عدم المعاونة، إما بكسر إلى الداخل للتسديد، أو بالمراوغة المنهكة وفقد الكرة. كرول حاول معالجة خط وسطه المتعَب بنزول محمد ابراهيم، وإن كان أفضل نسبيا وخفف من سرعة وحدة هجمات الاسمنت المرتدة القاتلة، وساعده بعض الميل الاستعراضي للاعبي السويس.

زي ما الزمالك استثمر الخط الأيمن للأسمنت من خلال أسامة، استغل الأخير تقدم عبد الله السارح وتأخره في العودة عن طريق انطلاقات من المُتعب الفيومي أو عمران مع تقدم حذر جيد جدا من سعيد عبد العزيز. كان كل فريق يلعب على مساحات، والغريب في المباراة المهمة دي هو المساحات والفدادين اللي زادت أكتر بعد الطرد. سال لعاب الأسمنت الهجومي وحاول استغلال مساحات مفترضة في دفاعات الخصم الأبيض ولكن المساحة زادت ومعها زادت مساحة الجري والمجهود وقلت اللياقة البدنية كلما اقتربنا من نهاية الشوط الثاني. الغريب إن جيمي ساعد على الفوز عن غير قصد، مع طمع الاسمنت وتحركه في مساحات خالية في الفريق الناقص، ولم يعرف أن لياقته قد لا تساعده على ملـء الفراغ حتى الدقيقة 90.

المباراة أظهرت بعض من ملامح الفرق المصرية عند اللعب بنقص عددي، منها لعب الحماس والقتال دور في تقليل الفارق العددي لصالح الخصم، مع زيادة معدل اللياقة بشكل هائل، واحراز النتيجة المرجوة (مثال ع الماشي، مباراة مصر والمكسيك في كأس العالم للقارات، 2-2). ساعد حماس أسامة وقتال التابعي، ومعاهم سرعة زكي وجعفر في ميل الكفة لصالح الزمالك. الأهداف الثلاثة تكشف عن دور محدود لكرول، محدد باختيار اللاعبين والتشكيل، تماما كما كان دور الحكم محدودا ومحجوبا بكثرة الاعتراضات. الحماس منح بشير القدرة على الزيادة الهجومية في مرتدة زكي، ولحَسَن التقدم وصنع ركلة جزاء، أو استغلال مهارة التصويب من زاوية شبه ميتة.

الأهداف الثلاثة الأولى مهارات فردية بحتة وحماس من اللاعبين، وإن كشفت عن روح قتالية للفريق لم تظهر منذ فترة (طويلة؟)، ساعدها انخفاض لياقة وحماس لاعبي الاسمنت (لاحظ الهدف الثاني وشوف رفيق جعفر لما وقف مرة واحدة في حين قاتل جعفر على كرة المفترض انها هدف لزكي). فاول حسن، ومرتدة زكي – جعفر، وركلة جزاء زكي، لا تكشف عن لمحة فنية من مدرب، بقدر ما تكشف عن ذكاء لاعب، وتحرك جيد خلف فريق مندفع للهجوم بغية زيادة الغلة (!!). حتى الهجوم لم يكن بأنياب، مع تعويض أحمد غانم خطأ الهدف الأول بالحماس الدفاعي أو انضمام أسامة حسن إلى الدفاع ثم الهجوم المرتد (ركلة الجزاء) أو انضمام محمد ابراهيم للخط الخلفي أمام مهارات واستعراض الخصم. الأسمنت لعب للهجوم ولم يسجل، ولم تسعفه اللياقة للارتداد للدفاع (لاحظ الهدف الثاني وتعرض لاعب لشد نتيجة الانهاك ونقص اللياقة). بالتالي استغل هجوم الزمالك قوته أمام دفاع ضعيف، حاول المداراة على ضعفه بالزيادة العددية، ولكنه انكشف في النهاية.

الهدف الرابع يعطي إشارة مهمة عن دور جيد لمحمد عبد الله في الهجوم، من خلال كرة ماكرة خلف دفاعات الخصم المنهك، عوض بيها ترهله الدفاعي. تمركز لاعبي الزمالك في المباراة عامة كان فيه نوع من العشوائية ساعد عليها النقص العددي وغياب الانسجام نتيجة لغيابات ما قبل المباراة، بالتالي ممكن يكون فيه بعض العذر لعبد الله، وإن كانت المعاناة لا تزال قائمة مع خصوم أكثر صعوبة، ولا داعي للحديث عن لقاء الجمعة.


المباراة بصفة عامة فكرتني بمباراة أسبانيا وتونس في كأس العالم، لما الشوالي قعد يعدد ويودد في سجلات لاعبي تونس الأبطال، قبل 15 دقيقة من نهاية المباراة (تقريبا نفس توقيت تعادل الزمالك) وفوجيء بتسجيل ثلاثي من الأسبان. انهارت لياقة تونس بالكامل، وتمكنت أسبانيا من معادلة النتيجة ثم الفوز، ثم الاكتساح. لو هنتكلم بصيغة أبلة فضيلة، نقول إن اللياقة والحماس قد يعوضوا جانب مهم من أوجه نقص أي فريق. الميلان كسب بطولة اليويفا الماضية قدام عتاولة انجليز (المان ثم الليفر) في حين إن الثنائي أعلى منه فنيا بكثير، وإن تغلب على الثنائي بحماس وقتال ملحوظ، وجاتوزو يتقدم الصفوف. أسلوب لعب الزمالك لم يكن فنيا بقدر ما كان قتالي عالي، والفنيات من اللاعبين – كالعادة – أكتر مما هي من المدرب، ولقطة خلاف حلمي – كرول تبين قلة حيلة كرول الفنية، ولو محمود بكر سماها لقطة الأسبوع، فهي لقطة الموسم (بتفكرني بوشوشة مختار مختار للاعبي الأهلي أيام الفقير فنياً هانز ديكسي). شعرت بإن كل خيوط كرول في الملعب هي التشكيل، أما تحركات اللاعبين أو أسلوب أدائهم فهي من وحي خيالهم، أو فنياتهم.

استمر الزمالك في معاملة نفسه كقائد لفرق الأقاليم أو المستوى الثاني، بحالة الفرحة العارمة بعد الفوز على الأسمنت. كان مشهد غريب، ببكاء عبد الله أو هيستيريا جعفر، أو نزول احتياطي الفريق الأبيض. ترجمة كلمة انحدار مستوى أو غياب بطولات صعب جدا في القواميس الحياتية، ومشاهد مباراة كفيل بإنه يعبر عن ألف كلمة وألف مقالة. بالطبع كل جمهور من حقه التعبير عن الفرحة بأي شكل، ولكن حالة اليأس وصلت إلى حد اغلاق التلفاز في وجه اللاعبين، أو ترك المباراة ومعرفة نتيجتها بعد نهايتها بساعتين!! الهيستيريا وصلت إلى ما أبعد من النجيلة والمدرجات، لتصل إلى خارج مصر حيث أقيم حالياً، وربما ما هو أبعد. ربما كان اليأس أعمق بكثير من كلمة من ثلاث حروف، والقشاية تخطت الفوز بأكثر من هدف على فريق يصارع من أجل الهبوط. المباراة بينت بشدة حال فريق الزمالك؛ على الملعب بميله إلى العشوائية (تقدم بشير في حين فريقه ناقص) وإن أفادت الزمالك عشوائيته في المغامرة الهجومية، وثانياً على دكة البدلاء بقلة حيلة الجهاز وفرحه بالهدف بانفعالات جماهيرية تلقائية، أو حال الجمهور عامة سيان أثناء المباراة أو بعدها.
وآدي حال الدنيا، ومعاها يظهر حال الزمالك، ولو كان حال حمزة صعبان على ممدوح عباس، "واللي عنده ما يخليش أي حد يلعب"، فأحوال الفريق "ما خليتش بعض جماهيره تتابع"، وإن أعطاها الفريق قبلة الحياة في المباراة وبعدها، فهل يستمر الانتعاش .. أم يحال إلى الإنعاش؟!

Category: |
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.

0 اضغط هنا .. واترك تعليقا على المقال: