3:06 AM | Author: Al-Firjany




شيء غريب وجود فرح العمدة الحالي بعودة الحضري، كأنه ابن العمدة فعلا ورجع بعد انتهاء دراسته في أفخم جامعات سويسرا، أو كأنه رجع بلا عزم على العودة! المهم هنا هو إنه في الرحلة الأسبوعية ظهرت بعض المظاهر والظواهر، وشد أطراف للخيوط، بعد ترخيها، وأحاديث وأحوال مصرية طفت على سطح بِركة الحضري .. وعلى بركة الله العملية مشيت، وبالبركة كانت أغلب التعليقات .. وع البركة نكتب بعض ملاحظات مصرية عن أحوال المصريين

أول الملاحظات كان تكرار ظهور صورة عصام الحضري الأول، لحظة مجيئه للنادي الأهلي من دمياط. عادة أهلاوية (ونقدر نسميها مصرية) في اظهار صورة اللاعب لحظة دخوله إلى النادي، وتذكيره بأصله. الصورة كان يستخدمها أحد الكشافين زمان لوضع اللاعب أمام نفسه قبل المجيء، عند ظهور أعراض الغرور عليه، فيكون الجواب الشافي في رفع الصورة. لكن الغريب إن اللاعب هو من يحتاج الصورة، وليس الجماهير! لو كنت كبير، أكيد هتفتكر صورة حسام وابراهيم، أو صورة رضا عبد العال، وكل واحد اتعمل له ألبوم، ولو لم تلحق بأي من هؤلاء، الأهلي يقدم لك الفرصة مع عصام الحضري. النادي ظهر على حق مع اخلال اللاعب بالتعاقد، وظهر على حق أكثر بالعودة من سويسرا وكلام أطراف أخرى مستقلة عن صحة موقف النادي، بالتالي لا داعي لأحاديث المن على اللاعب والتي تسيء إلى النادي أكثر من اللاعب. أذكر إني قرأت عن قرار من إدارة مجلة الأهلي بعدم وضع صورة للحضري في قادم الأعداد، وأعتقد أنه أبلغ وأوقع من وضع الصورة اياها



الملاحظة التانية في معايرة عصام الحضري، مع طابع السخرية والاستهزاء بغرض التهريج أحيانا، وبدافع انتقامي أغلب الأحيان. الكل تذكر كفر البطيخ والبطيخة، ومحصول مصر من البطيخ، والسخرية نزلت ترف أسرع من نزول لب البطيخ نفسه! السخرية من اللاعب الخارج عن النادي أمر طبيعي (غير مقبول) مع ارتفاع الموجة العدائية ضد عصام، وإن كشفت عن هوائية وانفعالية غير عادية في التعامل ككل، ورجعتنا تاني لنفس تعامل الجمهور المصري مع الراحلين عن أي نادي، وإن قابلها عصام بهجوم مضاد على الصحف، ساعده فيها بعض الصحفيين، ودي نقطة مهمة هأتكلم عنها فيما بعد. الاستجابة لانفعالات الجماهير بالايجاب أحيانا ما يأتي بنتائج عكسية للغاية، وممكن تضر للغاية على المدى الطويل.


لا يزال الانتماء للأندية هو المحرك الرئيسي للأفعال وردود الأفعال، والتعليقات والردود على التعليقات. كلمة جحا الخالدة: "طالما بعيد عن بيتي، يبقى ماليش فيه"، انطبقت على كثير مما يسمى بالنقاد الرياضيين. تحفيز الحضري على الاحتراف أو إن الحضري "صح في اللي عمله" صدر عن جماهير أندية ما يسمى بمنافسي الأهلي. مع انحدار الحال ببعض الأندية كانت حركة الحضري دافع جيد لإظهار بعض التشجيع ضد النادي أو لاعبيه، حتى وإن كان بالطرق الملتوية والهروب. جايز لوجود سوابق هروب لاعبين إلى أوروبا كان الموضوع عادي بالنسبة لبعض الجماهير، وجايز لأنه معناه ضعف في النادي المنافس مشي الموضوع سهل. الأهلي رفض تطبيق المادة 17 في حالة معوض لأنها كانت تنذر بخطورة بالغة على أحوال الأندية في مصر، وكادت تميل ميزان القوى - المختل أصلا - في صالح اللاعبين. كل من تخطى الـ28 يصحى ينقي الفريق بتاعه. تشجيع لاعب على خرق علاقة تعاقدية أمر في غاية الخطورة، وتكرار لنفس المسلسل الأخرق بتغليب الانتماء على قيم. لعبة الكراسي الموسيقية كانت سجال في كثير من الاحوال ما بين الأندية، ومعها كانت تنتقل ردود الأفعال من الجماهير بشكل عجيب (جمهور نادي يشجع لاعب على الاحتراف في نادي، ثم يرفض الاحتراف لنفس اللاعب في ناديه أو قيام لاعب في نادي منافس بسب حكم أو جمهور، ثم غض الطرف عن لاعب سب الحكم أو الجمهور في فريقي، إلخ) بالتالي لا أستبعد تكرار سيناريو الحضري في الأهلي أو في غيره، حتى مع حالة فشل الحضري حاليا، لأننا عمرنا ما بنتعلم أبدا


الحيادية في التعامل كانت شبه غائبة لأنها أمر مستحيل وتعتبر نزعة مثالية تكاد لا توجد. لكن محاولة الحياد أمر مستحب ومطلوب، وهو ما قرأته – كالعادة – في مقالات أ. المستكاوي، أو في بعض محاولات أ. عصام عبد المنعم. ضاعت قيمة احترام التعاقد واحترام الذات، أو احترام القراء بالأحرى. الحضري أضاع قيمة مهمة، وهي احترام الكلمة، تتلاشى من المجتمع المصري كما اندثر غيرها، فيما تصارع أخرى من أجل البقاء. ومن سانده ساعد على هدم نفس القيمة، وإن انضم إليهم آخرون من خلال التجريح في اللاعب والتشهير به، وما بين الأصوات العالية ضاعت قيماً أكثر بكثير مما أضاعه الحضري.

أنكر الأصوات تسمعها في عز الأزمات. الصوت العالي لا يكاد يبرح مصر، ولا يغادرها .. في أي أزمة. تعلو الحناجر على أعلى المنابر، وأحاديث التنديد والوعيد الغالبة، ومع الأصوات العالية تختفي أصوات العقل، أو حتى أصوات التحليل. لم أتابع أي تحليل لأي مباراة طوال أزمة الحضري، وما أبريء نفسي، وكان بودي تحليل مباراة الميلان وأرسنال في اليويفا، ولكن حال الانشغال وكتابة الخواطر دون ذلك. أزمات انتقال اللاعبين في مصر صاخبة، مزمنة، مرهقة، ومقرفة، ومعها تتوارى أحاديث أخرى – ربما أكثر أهمية – خصوصا في بلد فقير، لديه من المشاكل ما يكفي ويسمح بالتصدير. كأننا نتخذ من أي مشكلة مجالا للحديث، كي تلهينا عن الواقع .. أو عن المشكلات الأكثر أهمية. الجدل والكسل طبع كثير من المصريين وتساعد على ظهور الحضري كحديث ساعة - كونه لاعب كرة - في بلد يقدس الكرة ولا يقدس الساعة.



اختلاف تعامل الصحافة المحلية عن صحافة انترنت مع الحدث أمر مهم، ويبين بعض مظاهر الاختلاف في الاثنين بشكل أوضح (وإن كان الاختلاف موجود من فترة طويلة، ولكن مشكلة الحضري بينته جدا). اتساع مجال انترنت أوجد المجال لوجود جماهيري كبير، في حين إن الصحافة الرياضية مقصورة على ما يسمى بالنقاد، وفين وفين لما واحد يحن على قاريء وينشر رسالته (والنشر نفسه يبين وجهة نظر الكاتب مع اعتبارات أخرى). الانفعالات على صحافة أون لاين كانت أكثر حدة ووضوحا من العادية، وحاول الحضري إنه يوجه الجماهير إلى التانية أكثر من الأولى (حاتم الشربيني، صبري، أو البرامج الاعلامية عامة) تاركا انترنت لمن يتصفحها؛ "أنا ماليش دعوى باللي بيتقال في المواقع، خد الكلام مني أنا". حاول الحضري دفع الجرائد إلى صَفه من خلال اتصالات ومكالمات أو اعطاء انفرادات مع الصحفيين (مع وجود صداقة مفترضة بين اللاعب والصحفيين عامة) أو القنوات الاعلامية. باختصار التنازع والاختلاف كان حاضر. آراء مختلف الجماهير كانت موجودة، مع وضوح الانتماءات كاتبها، والصحافة تكتب آراء واحدة، مع محاولة الكاتب اخفاء انتماءه.
النتيجة كانت واضحة، تمثلت في محاولة رسم وتوجيه الرأي العام، من الكره الشديد، إلى العكس، أو على الأقل تقليل حدة الانفعال. مثال مدحت شلبي "بعدم فتح القناة للهاربين" ثم فتحها طالما "نفس الهارب" كلم شلبي لحظة الوصول حتى لو كان "زعلان منك يا كابتن مدحت"، يورينا طريقة تعامل الاعلام مع أي قضية بشكل عام. طالما هتعطيني الانفراد . . أو فيه حوار مع المذيع أو الصحفي، يبقى ضروري تلميع المتحدث حتى لو كان على حافة الاعدام، من أجل تخفيف الحكم (بالمناسبة الكلام ده بيحصل عادة قبل ظهور الضيف في الاستوديو .. وتقدر تستشفه من خلال أسئلة المحاور). طريقة تعامل الاعلام بحاجة إلى مزيد من التفصيل، فيما بعد بإذن الله


كان مستحيل تظهر مشكلة بحجم الكومبو حضري، ولا تظهر معه نظرية المؤامرة. طلت علينا الظاهرة بشكل جديد وكانت على تلات محاور: مؤامرة من اليهود لضرب فرحة المصريين (مع تلميح ساذج باسم سيون السويسري، وأصل الكلمة الصهيوني) أو ربط الحضري بسمسار مغربي من أصل يهودي، أو ربط الحضري مع انتقال وشيك لتوتنام (ذو الأصول اليهودية) ولا تعلم لم ظهرت تلك الأصول المريبة وقت الحضري، ولم تظهر وقت انضمام غالي ومن قبله ميدو!! والأغرب والمؤسف فعلا انجرار أحد مسؤولي الأهلي وراء هذا الكلام الفارغ. المحور الثاني هو وجود مؤامرة حكومية على المصريين من خلال الهاءهم عن رفع الاسعار بالحديث عن الحضري. وهكذا يا عزيزي القاريء صارت لدى الحكومة تعاملات خفية مع اندية سويسرا، وصارت الحكومة ذكية بما فيه الكفاية لدرجة توقع الأرصاد التحليلية للشعب المصري على مدى أسبوع كامل او أكثر من خلال تهريب أحد اللاعبين. كويس إن سويسرا عملت بأصلها أو بأصل الملايين المتلتلة في بنوكها ووافقت على الدخول في اللعبة الظريفة. المحور الثالث والأخير من المؤامرة هو وجود الزمالك كطرف في هروب الحضري كمحاولة اجبار الأهلي على بيعه، وأظن الصورة معروفة. يعني مؤامرة إقليمية - محلية لأول مرة معا. الطابع التآمري اللي بيغلف طبع المصريين عامة لم يغب عن رحلة الحضري في سويسرا، وأسبوع كامل كان كافي جدا لظهور ثلاث نظريات تآمرية في وقت واحد!! قوة رصد ثلاثية من النساجين المصريين وتفكير سطحي يتكرر، وبعد أما كان الأهلي يسفر لاعبين إلى الخارج تحايلاً على أنديتهم، أزاحت الحكومة عن كاهل الأهلي هذا الواجب، وقامت هي بالواجب.


أزمة الحضري كشفت عن أزمة محللين وأزمة مختصين وأزمة قوانين. مع الأسف لم يظهر لنا محلل دارس .. أو مختص دايس بشؤون ولوائح الفيفا، ولم نعرف المادة ولا تطبيقاتها ولا حالاتها إلا بعد بضعة أيام. الحضري أخطأ في تطبيق المادة، ولم يسعفه الهرب في تطبيقها كما ينبغي، ولم نسمع عن خطأ في التطبيق إلا بعد الهروب. يعني الأزمة في التطبيق وفي التفسير، ولم نفهم ولم نعرف بالسوابق إلا فيما بعد. الأهلي (والأندية المصرية عموما) تتجه إلى الخبراء الأوروبيين من أجل حل المنازعات مع الفيفا، ولم يظهر ولو فراش مصري واحد يخبرنا بأي لمحة عن القانون. الحضري قال إنه لم يستشر أحدا قبل الخروج، جايز لطابع الكتمان .. وجايز أكتر إنه ما لقاش. بعض اللاعبين لا يجيدوا اختيار التوقيت ولا الفريق .. وأخطاءهم تتعدى بكثير مجرد خطوة يتلوها خطوات تنم عن سطحية في منتهى البلاهة.
ازمة الحضري تثبت مرة أخرى (وأخرى بعد أخرى) علو صوت كرة القدم على أي صوت آخر. الكل تابع بشدة حالة هروب الحضري، ولم يعر انتباها لهروب سابق للاعب كرم جابر (ومن قبله هروب ملاكمين على أمريكا، وغيرهم) وكل اللي همنا لاعب كرة القدم في النادي الأهلي. لو تركنا المجال الرياضي، نلاقي غير الرياضيين أو المختصين عموما، في غير احتياج إلى الهروب أساسا، لأنه كدة كدة ما حدش بيعبرهم!

وجود أزمات في المجتمع المصري المفروض يكون سبب للبحث عن حلول أو بدائل أو وسائل لمنع تكرارها. الحديث استغرقنا عن حالة عصام، وحتى الآن لم أرى السؤال: "طب وبعد عصام؟". الأهلي يحاول فتح الباب حالياً "اللي عاوز يمشي .. يمشي" وده حل مؤقت، يترك باب الاحتراف مفتوحا، ومعاها أبواب أخرى أيضاً. لم أسمع عن فكرة في جريدة أو قناة أو موقع أو حتى قعدة مصاطب عن إنشاء تخصص قانوني رياضي في مصر ... أو حتى واحد يخرج ليقول أنا محامي في الشؤون الرياضية، أو أي كلام عن جذر للمشكلة، أو كلام عن توعية اللاعبين بأصول اللعبة، طالما هم محترفين اسما، لا وسما. لا تكاد تسمع عن وجود خبير رياضي إلا فين وفين. الاعلام المصري عامة يحب يسمع إلى الزعيق أولا، ثم بعد ذلك تسمع الكلام من الخبير (مثال ظهور أول شخص يقال انه خبير مصري في لوائح الفيفا، بعد رجوع الحضري!!). الاستماع إلى العين الخبيرة أو الرؤية المختصة غالبا ما يأتي بعد وقت طويل جدا من النقاش والجدل العقيم. ربما يفضل الاعلام قعدة المصاطب للإعادة والزيادة في موضوع قد يأتي الخبير وينسفه بكلمة واحدة (الحضري سأل المحامي الألماني في الفيفا عن وضعه في القضية، وتو ما قال له موقفك ×، الحضري ركب الناقة السويسري، والماسك الاعتذاري، وقفل راجعاً). ه

تظهر أزمة الحضري كيفية ميل الشعب المصري إلى الدوران والدروشة حول لب المواضيع إلى الهوامش، وربما ندور حول هوامش الهوامش, فاكرين إننا بنفيش الهوامش، في حين أننا نترك الموضوع مفتوحا، والسؤال مطروحا ولا نجيب. أ. ياسر أيوب (أيام ما كان يحترم قلمه ويحترف مهنته) قال مرة إن الاعلام الاسباني توقف عن الحديث عن مباراة ريال مدريد والأهلي بعد يوم واحد بس، في حين إن جمهور الأهلي (ويمكن جمهور مصر) لا يزال يذكرها إلى الحين. المواضيع التافهة في مصر تأخذ حيز أكبر من المميز، وتتحول التوافه إلى أحاديث ساعة، لقضاء الساعة وكل ساعة وتعدي. ويمكن انت دلوقت تبحث عن موضوع آخر غير الحضري لأنك مليت منه.

الحضري في رحلة عودته إلى مصر عاد مع حسني على نفس الطائرة .. جمع غريب بين كل لاعب، واحد شغل مصر فترة، ولاعب شغل نفس البلد فترة تانية. ولاية جماهيرية وكل لاعب يتولى السلطة - عن غير قصد - في جماهير تحول اللاعب إلى حاكم بأمره في أمرها.


الاهتمام الرياضي في الشعوب الفقيرة لا يقتصر على مصر، بالذات لما نكبر العدسة ونذهب إلى أمريكا اللاتينية، وإن كانت أصوات المظاهرات في الأرجنتين أو في بعض الدول اللاتينية مسموعة في الاعلام المصري – على استحياء. لكن في مصر الاستحياء موجود والبرقع مرمي على المواضيع غير الرياضية، للحديث عن الرياضة والكرة. حتى وإن أهملنا الجانب المحلي، نتحدث عن الإقليمي (مع حديث محمود عن الأوضاع في غزة). أبو تريكة استغرب الاهتمام بلاعبي الكرة بعد عودته من رحلته العلاجية من ألمانيا. لا أنكر على الاعلام الاهتمام بلاعبي الكرة، ولكن وضع كل فرد، وكل حالة في الاطار الصحيح من الغيبيات. كل الأحاديث سواءا الرياضية أو غير الرياضية تندرج تحت بند الكلام .. الأحاديث .. والثرثرة وقزقزة اللب. انحسرنا في دائرة الكلام. وطالما العملية فضلت كلام × كلام .. لا تغضب من طول المقال. بس خللي بالك إن السيف أحيانا ما يكون أصدق انباء من الصحف.
Category: |
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.

0 اضغط هنا .. واترك تعليقا على المقال: